أكد وزير الزراعة والمياه، والثروة الحيوانية والسمكية السيد/ رضوان عبد الله بهدون، بمناسبة اليوم العالمي للغذاء الذي يصادف السادس عشر من أكتوبر من كل عام، أن تعزيز الأمن الغذائي والسيادة الغذائية يشكلان أولوية استراتيجية لجمهورية جيبوتي، في ظل التحديات الناجمة عن التغيرات المناخية واضطراب سلاسل الإمداد وتقلب الأسعار العالمية.
وشدد الوزير في تصريح له بهذه المناسبة السنوية، على أهمية تحديث قطاعات الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير تقنيات الري والإنتاج، وتعزيز التخزين والتصنيع والتوزيع للحد من الفاقد الغذائي، إلى جانب تشجيع الاستثمار والشراكات مع القطاع الخاص، وتمكين الشباب والمرأة من الإسهام في تطوير سلاسل القيمة الغذائية، مؤكدا على ضرورة توحيد الجهود الوطنية وتعزيز التعاون مع الشركاء الفنيين والماليين، بما يتماشى مع رؤية جيبوتي 2035 والخطط التنموية الوطنية. وفيما يلي نورد تصريح الوزير رضوان عبد الله بهدون كاملا :- بمناسبة اليوم العالمي للغذاء، الذي يُحتفل به في السادس عشر من أكتوبر من كل عام، أتحدث إليكم اليوم، وأنا أشعر بعمق المسؤولية الملقاة على عاتقنا تجاه تحقيق الأمن الغذائي وضمان مستقبل أفضل لشعوبنا.
ويحمل شعار هذا العام، «الابتكار اليوم من أجل الغذاء غدًا»، رسالة واضحة تدعونا إلى جعل الابتكار أداة عملية لتطوير نظمنا الغذائية، وتعزيز سيادتنا الوطنية، وتحسين الظروف المعيشية لشعوبنا على نحو مستدام.
كما يذكّرنا هذا اليوم بحقيقة جوهرية، مفادها أن الغذاء ليس مجرد حاجة أساسية للبقاء، بل هو حق من حقوق الإنسان، وركيزة لصون الكرامة، وأحد متطلبات العدالة الاجتماعية، وشرط أساسي لتحقيق الاستقرار في الدول والمجتمعات.
وتنسجم هذه الرؤية مع التوجيهات السامية لرئيس الجمهورية، السيد/ إسماعيل عمر جيله، الذي أكد أن: « الأمن الغذائي لا يُعدُّ قضيةً تنمويةً كبرى وضرورةً أخلاقيةً فحسب، بل هو أيضاً ضمانةٌ للاستقرار الاجتماعي والسياسي، وعنصراً جوهرياً للكرامة والسلام والأمن».
ومن ثم يجسد هذا التصريح بجلاء، الطموح الذي ينبغي أن نعمل جميعًا على تحقيقه، والمتمثل في ضمان حصول كل مواطن، على المدى الطويل، على غذاء كافٍ وصحي وعالي الجودة، من خلال تعزيز قدرة بلادنا على مواجهة الأزمات والتحديات.
السيدات والسادة، في ظل سياق دولي يتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، وتقلب الأسعار، وتفاقم آثار التغيرات المناخية، أضحى الأمن الغذائي إحدى القضايا الاستراتيجية الأكثر إلحاحًا على الصعيد العالمي.
وبالنسبة إلى جيبوتي، التي تَفرض ظروفها المناخية ومحدودية مواردها الطبيعية تحديات خاصة، فإن هذا الواقع يحتم علينا التحرك بعزم وواقعية، والاعتماد على الابتكار لإيجاد حلول مستدامة، فالاعتماد الكبير على الواردات الغذائية يجعلنا عرضة لتقلبات الأسواق الدولية وتداعيات الأزمات الخارجية.
ومن هنا، تبرز ضرورة العمل تدريجيًا على تعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الإمدادات الغذائية، وتحقيق الاستغلال الأمثل لمواردنا الوطنية.
ويندرج هذا التوجه في إطار الرؤية الاستراتيجية لرئيس الجمهورية، الذي أكد على أن سيادة الأمة ترتبط -قبل كل شيء- بقدرتها على الاستعداد للمستقبل.
وتتجلى أهمية هذه الرؤية بوضوح في مجال الأمن الغذائي.
فالسيادة لا تعني الحفاظ على مكتسبات الحاضر فحسب، بل تعني أيضًا تهيئة بلادنا لمواجهة تحديات المستقبل.
وانطلاقًا من هذه القناعة، تمضي الحكومة، بقيادة رئيس الجمهورية قدما، في جهودها الرامية إلى تنويع الاقتصاد الوطني، وتطوير القطاعات الإنتاجية، وتعزيز قدرة البلاد على الصمود في وجه الأزمات.
ويتمثل طموحنا في جعل الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك قطاعات أكثر إنتاجية وكفاءة، وقادرة على توليد الثروة، وخلق فرص العمل، وفتح آفاق واعدة أمام شبابنا. السيدات والسادة، إن العمل والابتكار في المجال الغذائي يعنيان، في المقام الأول، تحسين أساليب الإنتاج وحسن استغلال الموارد المحدودة، وفي مقدمتها المياه والأراضي الصالحة للزراعة.
وقد أكد رئيس الجمهورية هذه الحقيقة بقوله: «بدون ماء، لن توجد زراعة منتجة، ولا أمن غذائي». لذلك، يتعين علينا تسريع وتيرة الجهود الرامية إلى تجميع مياه الأمطار، وإنشاء خزانات ملائمة، وتطوير البنية التحتية المائية في المناطق الريفية، وتشجيع استخدام التقنيات التي تتيح ترشيد استهلاك المياه وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل متر مكعب.
كما ينبغي التوسع في استخدام البيوت المحمية، وأنظمة الري الدقيق، والزراعة المائية، والطاقة المتجددة، إلى جانب اعتماد أصناف زراعية قادرة على التكيف مع درجات الحرارة المرتفعة والظروف المناخية المحلية.
وفي هذا السياق، تتيح أنظمة الإنتاج المبتكرة، ولاسيما الزراعة المائية، آفاقًا واعدة لبلادنا، إذ تثبت إمكانية تطوير أنشطة زراعية أكثر إنتاجية مع الحد من استهلاك المياه.
غير أن الابتكار لا ينبغي أن يقتصر على المعدات والتقنيات الحديثة، بل يجب أن يشمل أيضًا تدريب المنتجين، وتيسير الوصول إلى المعرفة، وتشجيع البحث التطبيقي، وتوظيف الأدوات الرقمية، وتعزيز خدمات الإرشاد والدعم الفني.
ويجب أن يكون هدفنا واضحًا: تحويل كل قطرة ماء إلى مورد منتج، وكل مزرعة إلى مساحة للإنتاجية، وكل ابتكار إلى حل عملي يستجيب لاحتياجات السكان.
ولا يكتمل أمننا الغذائي دون تحديث قطاع تربية الماشية وضمان التنمية المستدامة لقطاع صيد الأسماك. فتربية الماشية تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدرًا رئيسيًا لكسب العيش بالنسبة إلى العديد من الأسر.
ومن ثم، يتعين علينا تعزيز خدمات الصحة الحيوانية، وتحسين إمكانية الوصول إلى الموارد العلفية، وتشجيع الإنتاج المحلي للأعلاف، وتحديث البنية التحتية المخصصة لتصنيع المنتجات الحيوانية وتسويقها.
كما ينبغي أن تحظى إعادة تأهيل المراعي، وتحسين الوصول إلى المياه، واعتماد ممارسات تتلاءم مع ظروف الجفاف، بمكانة أساسية ضمن أولوياتنا، بما يسهم في حماية الثروة الحيوانية وتعزيز قدرة المربين على مواجهة التحديات المناخية.
وفي المقابل، يشكل ساحلنا البحري موردًا واعدًا يمكننا الاستفادة منه بصورة أكبر لتحسين توافر البروتينات الحيوانية، وتعزيز الأمن الغذائي، وخلق أنشطة اقتصادية جديدة.
ويتطلب تحقيق ذلك زيادة الاستثمار في معدات الصيد، وتطوير سلاسل التبريد، وتحسين مرافق التخزين، وتعزيز قدرات التصنيع المحلي، وتوسيع قنوات تسويق المنتجات السمكية.
السيدات والسادة، في هذا الإطار، تبرز مبادرة «AgriConnect» بوصفها إحدى المبادرات الرامية إلى تسريع التحول في النظم الزراعية والغذائية، من خلال حشد الاستثمارات، وتوظيف التقنيات الحديثة، وتعزيز الشراكات الضرورية لتحقيق هذا التحول.
وفي جيبوتي، ينبغي أن تتكامل هذه الجهود مع أولوياتنا الوطنية، ولاسيما «رؤية جيبوتي 2035»، و«الخطة الوطنية للتنمية ADEC 2025-2030»، و«الخطة التوجيهية للقطاع الأولي 2026-2035».
ويرتكز نهجنا على رفع الإنتاجية، وتطوير سلاسل القيمة، وتيسير الوصول إلى التمويل، وتعزيز الصناعات الغذائية، وتحسين آليات تسويق المنتجات المحلية، بما يضمن تحقيق قيمة مضافة أكبر لمنتجينا ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني.
كما يتعين أن تتيح هذه الجهود مجالًا أوسع لمشاركة القطاع الخاص، إذ لا تستطيع الدولة، بمفردها، تحمل جميع الاستثمارات اللازمة لتحديث القطاع الأولي وتطوير قدراته الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، أوجه نداءً إلى المستثمرين الجيبوتيين والدوليين للاستفادة من الفرص الواعدة التي توفرها قطاعات الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك والصناعات الغذائية، وهي قطاعات تتيح إمكانات حقيقية لإطلاق مشاريع استثمارية منتجة، وخلق قيمة مضافة، وتوفير فرص العمل، والمساهمة الفاعلة في تعزيز الأمن الغذائي لبلادنا. السيدات والسادة، لا يكفي لزيادة الإنتاج التركيز على الكميات المنتجة فحسب، بل يتعين علينا أيضًا تحسين عمليات التخزين والتصنيع والتوزيع.
ومن هنا، تبرز ضرورة تعزيز قدرات التخزين، وتطوير سلاسل التبريد، وتحسين البنية التحتية للنقل، ودعم وحدات التصنيع الزراعي والغذائي، مع الحرص على جعل سلامة الأغذية أولوية أساسية.
ويمثل شبابنا طاقة هائلة قادرة على الإسهام في تحويل اقتصادنا. لذا، ينبغي أن نتيح لهم النظر إلى الزراعة وتربية الماشية وصيد الأسماك والصناعات الغذائية، لا باعتبارها أنشطة محدودة الآفاق، بل قطاعات حديثة وجذابة تزخر بالفرص الواعدة.
كما يتعين علينا تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مختلف حلقات سلاسل القيمة الغذائية. السيدات والسادة، إن مكافحة انعدام الأمن الغذائي تتطلب تعبئة جماعية وتعاونًا دوليًا معززًا.
وأود في هذه المناسبة أن أعرب عن تقديري لشركائنا الفنيين والماليين، تثمينًا للدعم الذي يقدمونه لجهودنا في هذا المجال.
وفي هذا اليوم العالمي للأغذية، تقع على عاتقنا مسؤولية تحويل شعار هذا العام إلى التزام وطني حقيقي وملموس.
فالابتكار اليوم يعني ترشيد استخدام المياه، وتحديث المزارع، ودعم المنتجين، والاستفادة المثلى من مواردنا السمكية، وتطوير الصناعات الزراعية والغذائية، وتأهيل شبابنا لمهن المستقبل.
وفي هذا السياق، تؤكد توجيهات رئيس الجمهورية أن السيادة الغذائية ينبغي أن تشكل بُعدًا أساسيًا من أبعاد سيادتنا الوطنية.
وأود أن أوجه رسالة ثقة وتقدير إلى مزارعينا ومربي الماشية وصيادي الأسماك ورجال الأعمال وشبابنا، مؤكدًا أن التزامكم يشكل ركيزة لا غنى عنها لبناء نظام غذائي أكثر صلابة وكفاءة واستدامة.
سيداتي وسادتي، إن تأمين غذاء المستقبل لا يبدأ غدًا، بل يبدأ اليوم، من خلال قراراتنا واستثماراتنا وابتكاراتنا.
فلنجعل من الابتكار محركًا لتعزيز سيادتنا الغذائية، ودعم تنمية اقتصادنا، وتحقيق رفاهية شعوبنا.