أهم احتياجات أبناء الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة تُعدُّ مرحلة الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة من أهم المراحل في حياة الإنسان؛ فهي مرحلة البلوغ، وبداية التكليف الشرعي، والانتقال من الطفولة إلى عالم الشباب وتحمل المسؤولية. وفي هذه السنوات تتشكل كثير من ملامح الشخصية، وتتبلور الاتجاهات والقيم التي قد ترافق الإنسان طوال حياته، مما يجعلها مرحلة تستحق فهماً عميقاً وتعاملاً تربوياً واعياً. ويؤكد المختصون في التربية أن المراهقة ليست مرحلة اضطراب كما يتصورها كثير من الناس، وإنما هي من أكثر مراحل العمر نمواً وحيويةً وقدرةً على العطاء، إذا أحسن الوالدان والمربون التعامل معها، واستثمروا طاقات الأبناء فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم. فهي مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في الجوانب الجسمية والنفسية والانفعالية والعقلية والاجتماعية، تنعكس بصورة مباشرة على سلوك المراهق وطريقة تعامله مع أسرته ومحيطه. ولعل من أجمل التشبيهات لهذه المرحلة أنها تشبه عاصفة تهب على شجرة مثمرة؛ فإن كانت جذورها راسخة وسياجها متيناً، خرجت من العاصفة أكثر قوة، أما إذا كانت ضعيفة، فقد تترك تلك العاصفة آثاراً يصعب علاجها. ولذلك فإن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الوالدان هو ترسيخ الإيمان في قلب الابن والابنة، وتقوية صلتهما بالله تعالى، ليكون الإيمان الحصن الذي يحميهما وسط هذه التحولات. ومن أبرز احتياجات هذه المرحلة النمو الجسمي المتسارع؛ إذ يزداد طول المراهق ووزنه، وتظهر عليه علامات البلوغ، ويستهلك هذا النمو جانباً كبيراً من طاقته، مما قد يجعله يميل إلى كثرة النوم أو الراحة. ومن الحكمة ألا يبالغ الوالدان في لومه، ما دام يؤدي واجباته الدينية والدراسية، وألا يكلّفاه ما يفوق قدرته. كما يزداد شعور المراهق بالحياء، فيصبح أكثر حرصاً على خصوصيته، ويهتم بمظهره وهيئته، ويشعر بالحرج في بعض المواقف. والحياء خلق كريم وشعبة من شعب الإيمان، ومن واجب الوالدين المحافظة عليه وتنميته، وذلك باحترام خصوصية الأبناء، والاستئذان قبل دخول غرفهم، والابتعاد عن كل ما يضعف هذا الخلق العظيم. ومن الاحتياجات المهمة أيضاً حاجة المراهق إلى الصحبة؛ إذ يزداد تعلقه بأصدقائه، ويقضي معهم وقتاً أطول. وهنا يبرز دور الأسرة في مساعدته على اختيار الرفقة الصالحة، والتعرف إلى أصدقائه وأسرهم، وإكرامهم إذا زاروا المنزل، لأن ذلك يعزز الثقة بين الوالدين وأبنائهم، ويجعل التوجيه أكثر قبولاً وتأثيراً. وفي هذه المرحلة يتأثر الأبناء بالأفكار الجديدة بسرعة، وقد ينتقلون من اهتمام إلى آخر، ومن رأي إلى غيره. ولذلك فهم بحاجة إلى الحوار الهادئ، وإلى من يستمع إليهم قبل أن يجيب عن تساؤلاتهم. كما أن وجود مكتبة نافعة في المنزل، وربط الأبناء بالعلماء والمربين الصالحين، يسهم في بناء الفكر السليم، ويحميهم من الانحرافات الفكرية والمؤثرات الإعلامية الضارة. ومن طبيعة هذه المرحلة كذلك سرعة الانفعال، نتيجة التغيرات الجسمية والنفسية، فيصبح المراهق أكثر حساسية، وأسرع غضباً في بعض الأحيان. وهنا ينبغي أن يكون أسلوب الوالدين قائماً على التشجيع والثناء قبل التوجيه، وإظهار المحبة والثقة، والابتعاد عن السخرية أو التقليل من شأنه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي الشباب بالمحبة قبل النصح، فكان يفتح قلوبهم قبل أن يوجههم. ويبدأ الفتى في الاعتزاز برجولته، كما تهتم الفتاة أكثر بأنوثتها ومظهرها، وقد تدفعهما الرغبة في المعرفة إلى البحث عن معلومات من مصادر غير موثوقة. ومن هنا تقع على الأب مسؤولية توعية ابنه بأحكام البلوغ وآدابه، كما تقوم الأم بالدور نفسه مع ابنتها، بأسلوب يتناسب مع العمر، مع ترسيخ مراقبة الله تعالى، والمحافظة على الصلاة، وتعظيم الطاعات. ومن السمات التي قد تظهر أيضاً ميل المراهق إلى العزلة أحياناً، وانشغاله بالتفكير والخيال، أو نقد بعض الأوضاع الأسرية والاجتماعية. وهذا أمر طبيعي إذا بقي في حدوده المعتدلة، ويحتاج إلى الاحتواء والحوار، لا إلى التوبيخ أو الاتهام. كما أن كثيراً من المراهقين يتأثرون بالمشاهير ويحرصون على تقليدهم، وهنا تبرز أهمية تعريفهم بسير الأنبياء، والصحابة، وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأعلام العلم والإصلاح في تاريخ الأمة، وربطهم بالقدوات الصالحة في واقعهم، حتى يجدوا نماذج حقيقية يقتدون بها. إن نجاح التربية في هذه المرحلة يبدأ بفهم طبيعتها؛ فكلما ازداد الوالدان فهماً للتغيرات التي يعيشها أبناؤهم، كانا أقدر على اختيار الأسلوب المناسب في التوجيه، وتجنب كثير من الأخطاء التي قد تترك آثاراً بعيدة المدى. كما أن إدراك الأبناء لما يمرون به يساعدهم على ضبط مشاعرهم، واستثمار طاقاتهم، وبناء شخصياتهم على أسس راسخة من الإيمان والعلم والأخلاق. وختاماً، فإن رسالة اليوم إلى شباب الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة هي أن يدركوا أنهم دخلوا مرحلة الشباب بحق، وأن الله سبحانه وتعالى قد شرفهم بالتكليف، فقال عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾. وأن يعلموا أنهم أمل الأمة، وصناع مستقبلها، وأن تاريخ الإسلام زاخر بشباب حملوا العلم، وقادوا الإصلاح، وصنعوا المجد. فكونوا شباباً يعتزون بدينهم، ويطلبون العلم، ويتحلون بالأخلاق الكريمة، ويجتهدون في العمل الصالح، ويجعلون رضا الله تعالى غاية حياتهم؛ فالأمم لا تنهض إلا بسواعد شبابها المؤمنين، الواعين، الأقوياء في أخلاقهم وعلمهم وعزائمهم. بقلم : عبد الرزاق حسن طبر