مع كل عام دراسي جديد، تُفتح أبواب المدارس، وتعود الحركة إلى الفصول والساحات، ويستأنف المعلمون والمتعلمون مسيرتهم التعليمية بعد انقطاع. لكن السؤال ليس: هل عاد الطلاب إلى مدارسهم؟ وإنما: إلى ماذا يعودون؟ وماذا نريد أن يحدث لهم بعد عودتهم؟ فهل العودة إلى المدرسة مجرد انتقال الطالب من البيت إلى المقعد الدراسي، ومن العطلة إلى الجدول المدرسي؟ أم أنها فرصة متجددة لاستئناف مشروع أعمق،وهو بناء الإنسان، وتشكيل شخصيته، وتنمية عقله، وتهذيب سلوكه، وإعداده للحياة والمواطنة والمسؤولية؟ إن المدرسة التي تفتح أبوابها دون أن تستحضر رسالتها قد تستعيد انتظامها الإداري، لكنها لا تستعيد بالضرورة وظيفتها التربوية. أما المدرسة التي تستقبل أبناءها وهي واعية برسالتها، فإن كل يوم دراسي فيها يصبح خطوة جديدة في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. ● العودة إلى المقاعد... والعودة إلى الرسالة ثمة فرق جوهري بين العودة إلى المقاعد والعودة إلى الرسالة. فالعودة إلى المقاعد تعني استئناف الحصص، وتوزيع الجداول، وتسجيل الحضور، وإنجاز المقررات، وإجراء الاختبارات. وهذه كلها ضرورات لا غنى عنها في العمل المدرسي، لكنها لا تمثل جوهر التربية وحدها. أما العودة إلى الرسالة، فتعني أن نستحضر السؤال الأكبر: أي إنسان نريد أن تبني المدرسة؟ إن التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة، والتربية لا تقتصر في ضبط السلوك؛ بل هما عملية متكاملة تستهدف بناء شخصية المتعلم في أبعادها المعرفية والوجدانية والاجتماعية والأخلاقية والمهارية. ولذلك فإن بداية العام الدراسي ليست مجرد بداية زمنية للمقررات، وإنما ينبغي أن تكون بداية متجددة للوعي بالرسالة والمسؤولية. ولذا فإن استقبال الطلاب ينبغي ألا يكون استقبالًا إداريًا فحسب، بل استقبالًا تربويًا يبعث فيهم الشعور بالأمان والانتماء والدافعية، ويجعل المدرسة بيئة للتعلم والنمو واكتشاف القدرات وبناء الشخصية. ● التربية مسؤولية مشتركة إن بناء الجيل ليس مهمة المعلم وحده، ولا مسؤولية المدرسة وحدها، وإنما هو مسؤولية تربوية تشاركية تتكامل فيها أدوار الأسرة، والإدارة، والمعلمين، والمشرفين، والمفتشين، والمكوّنين، وسائر الفاعلين في المنظومة التربوية. ويؤسس المنهج الإسلامي لهذا المبدأ على قاعدة المسؤولية المشتركة عن التربية والرعاية والإصلاح؛ فالتربية في التصور الإسلامي ليست وظيفة فردية أو مؤسسية منفردة، وإنما أمانة تتوزع بحسب مواقع المسؤولية والأدوار التي يضطلع بها كل طرف. ويؤكد القرآن الكريم مسؤولية الأسرة المباشرة عن التربية والتوجيه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]؛ فالآية تجعل رعاية الأسرة وتوجيهها جزءًا من المسؤولية الدينية والتربوية، بما يدل على أن بناء شخصية الناشئ يبدأ من البيت، ولا ينفصل عن الدور الذي تؤديه المؤسسات التعليمية بعد ذلك. كما يقرر المنهج الإسلامي مبدأ المسؤولية بحسب الموقع والدور في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]، ويأتي الحديث النبوي أكثر وضوحًا في بيان هذا المبدأ، إذ يقول النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»؛ وهو أصل جامع في توزيع المسؤولية، فقد بيّن الحديث مسؤولية الحاكم عن رعيته، والرجل عن أهل بيته، والمرأة عن بيتها وأولادها، بما يؤكد أن الرعاية والتوجيه ليستا حكرًا على جهة واحدة، بل تتوزعان بحسب الاختصاص والموقع. ومن هذا المنطلق، فإن المعلم في المنهج الإسلامي ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، وإنما هو مربٍّ وقدوة وصاحب أمانة، كما أن الإدارة التربوية ليست مجرد جهة تنظيمية، بل تضطلع بمسؤولية توفير البيئة التعليمية الصالحة، وحسن التوجيه والمتابعة، ودعم المعلمين وتمكينهم من أداء رسالتهم. وكذلك يقوم المشرفون والمفتشون والمكوّنون بدور تكاملي في تحسين الأداء المهني، وتقويم الممارسات، ومعالجة جوانب القصور، وتنمية الكفايات التربوية بصورة مستمرة. ويؤكد القرآن الكريم كذلك مبدأ التعاون على تحقيق الخير والإصلاح، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وهو مبدأ تربوي يمكن تنزيله على مختلف أطراف العملية التعليمية؛ إذ إن بناء الإنسان الصالح والكفء لا يتحقق بجهد منفرد، وإنما من خلال تعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع وسائر المؤسسات والكوادر ذات الصلة بالتربية والتعليم. وعليه، فإن المنهج الإسلامي ينظر إلى بناء الجيل بوصفه مسؤولية تكاملية، تقوم على توزيع الأدوار، وتكامل الجهود، ووحدة المقصد التربوي؛ فالأسرة تؤسس القيم والاتجاهات، والمدرسة تنظم التعلم وتنمي المعارف والمهارات، والمعلم يجمع بين التعليم والتربية والقدوة، والإدارة تهيئ البيئة المؤسسية، والمشرفون والمفتشون والمكوّنون يسهمون في المتابعة والتقويم والتطوير. ومن ثم، فإن نجاح العملية التربوية لا يقاس بفاعلية عنصر واحد، وإنما بمدى انسجام هذه الأدوار وتكاملها في بناء شخصية متوازنة علميًا وأخلاقيًا واجتماعيًا ومهاريًا. 1. الوالدان والأسرة: التربية التي تسبق المدرسة وترافقها تبدأ التربية قبل أن يدخل الطفل المدرسة، وتستمر خارج أسوارها. فالأسرة هي البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، ومنها يكتسب كثيرًا من عاداته واتجاهاته وقيمه وأنماط تعامله. ومع العودة إلى المدرسة، تتجدد مسؤولية الوالدين في توفير البيئة النفسية والاجتماعية المناسبة للتعلم، ومتابعة الأبناء دون إفراط في الضغط، وتعزيز قيمة العلم والانضباط واحترام المعلم، والتواصل الإيجابي مع المدرسة. فالأسرة التي تطلب من المدرسة أن تربي أبناءها، ثم تهدم في البيت ما تبنيه المدرسة، تضعف العملية التربوية من حيث لا تشعر. أما التكامل بين البيت والمدرسة، فإنه يمنح المتعلم رسالة تربوية متسقة وواضحة. 2. الإدارة التربوية: صناعة البيئة التي تنجح فيها التربية الإدارة المدرسية ليست جهازًا لتنظيم الحضور والانصراف وتوزيع المهام فحسب؛ بل هي عنصر أساسي في صناعة المناخ التربوي داخل المؤسسة. فالمدير الناجح لا يدير الأشخاص والملفات فقط، وإنما يبني ثقافة مدرسية تقوم على الاحترام والعدل والانضباط والتعاون، ويهيئ للمعلم ظروفًا مهنية تساعده على أداء رسالته، وللمتعلم بيئة آمنة ومحفزة على التعلم. ومن هنا، فإن نجاح المدرسة لا يقاس فقط بانتظامها الإداري، وإنما كذلك بقدرتها على خلق بيئة تربوية جاذبة وفاعلة. 3. المعلمون: من أداء الدرس إلى بناء الإنسان يبقى المعلم في قلب العملية التعليمية؛ لأنه أكثر عناصر المنظومة حضورًا في حياة المتعلم اليومية. ومع بداية العام الدراسي، لا يعود المعلم إلى الفصل ليشرح المحتوى فقط، بل يعود إلى مسؤولية أعمق: أن يكون قدوة ومربيًا وموجهًا ومحفزًا على التعلم. فكلماته، وطريقة تعامله، وعدله بين طلابه، وإدارته للصف، واحترامه لشخصية المتعلم، وطريقته في معالجة الخطأ؛ كلها رسائل تربوية قد تترك أثرًا أعمق من كثير من الدروس والمعلومات. ولهذا، فإن المعلم الذي ينجح في إنهاء المقرر دون أن ينجح في بناء الدافعية، وتنمية التفكير، وتعزيز القيم، واحترام الاختلاف، قد حقق جزءًا من مهمته ولم يحقق رسالته كاملة. 4. المشرفون التربويون: من الرقابة إلى الدعم المهني يحتاج المعلم، مهما بلغت خبرته، إلى من يسانده ويوجهه ويعينه على تطوير ممارسته. ومن هنا ينبغي أن يتجاوز الإشراف التربوي مفهوم التفتيش عن الأخطاء إلى المرافقة المهنية وبناء الكفايات. فالمشرف الفاعل لا يأتي إلى المدرسة ليصدر الأحكام فقط، وإنما يأتي ليفهم الواقع، ويشخص الاحتياجات، ويقدم التغذية الراجعة، ويساعد المعلم على تطوير أدائه. إن المشرف التربوي شريك في تحسين جودة التعليم، وكلما تحولت العلاقة بينه وبين المعلم من علاقة رقابية إلى علاقة مهنية قائمة على الثقة والحوار، أصبح الإشراف أكثر أثرًا في الميدان. 5. المفتشون: ضمان الجودة وتقويم المسار تؤدي أجهزة التفتيش والتقويم دورًا مهمًا في ضمان جودة العملية التعليمية، والتحقق من مدى الالتزام بالمعايير والسياسات والأنظمة التربوية. غير أن التقويم الفاعل لا ينبغي أن يكون غايته تصنيف الأشخاص أو تسجيل الملاحظات فحسب، بل ينبغي أن يسهم في تصحيح المسار وتحسين الأداء وتطوير المؤسسة. فالتقويم الذي لا ينتج عنه تطوير يظل إجراءً إداريًا محدود الأثر، بينما التقويم الذي يكشف مواطن القوة والضعف، ويقترح سبل التحسين، ويتابع أثر التدخلات، يصبح أداة حقيقية للإصلاح التربوي. 6. المكوّنون ومؤسسات التكوين: بناء قدرة المعلم على التجدد لا يمكن أن نطالب المعلم بالتجدد المستمر، ثم نترك تكوينه المهني عند حدود ما تعلمه قبل سنوات. فالتكوين المستمر ضرورة تفرضها طبيعة المعرفة المتجددة، وتغير حاجات المتعلمين، وتطور طرائق التدريس، والتحولات الرقمية والتكنولوجية. ومن هنا، فإن دور المكوّنين ومؤسسات التكوين لا ينبغي أن يقتصر على تقديم دورات منفصلة، بل ينبغي أن يتجه إلى بناء مسار مهني مستدام يساعد المعلم على التأمل في ممارسته، وتشخيص تحدياته، وتجريب الحلول، وتقويم أثرها. 7. القيادات التعليمية وصانعو السياسات: توفير شروط النجاح وراء كل فصل دراسي منظومة من القرارات والسياسات والموارد والتشريعات والهياكل. ولذلك فإن المسؤولية التربوية لا تتوقف عند حدود المدرسة. فالقيادات التعليمية مطالبة بتوفير الشروط التي تمكن المؤسسات والمعلمين من أداء رسالتهم: مناهج مناسبة، وتكوين مهني مستمر، وموارد تعليمية، ودعم مؤسسي، ونظم تقويم عادلة، وبيئة مهنية تحفظ كرامة المعلم والمتعلم. فلا يمكن مطالبة المدرسة بجودة عالية دون توفير شروط مؤسسية داعمة للجودة. ●العودة التي نريدها إن العودة الحقيقية إلى المدارس لا تبدأ من أجراس الحصص، وإنما من الوعي بالرسالة. نريد للطالب أن يعود إلى مدرسة يشعر فيها أنه ليس رقمًا في سجل الحضور، وإنما إنسان له حاجاته وقدراته وطموحاته. ونريد للمعلم أن يعود إلى فصله وهو يستشعر قيمة دوره، لا بوصفه موظفًا يؤدي ساعات عمل، وإنما بوصفه شريكًا في بناء الإنسان. ونريد للإدارة أن تعود إلى دورها القيادي، وللمشرف إلى دوره الداعم، وللمفتش إلى دوره التقويمي التطويري، وللمكوّن إلى دوره في بناء الكفايات، وللأسرة إلى شراكتها الأصيلة مع المدرسة. فالتربية مشروع جماعي، وإذا تفرقت رسائل القائمين عليها، تشتتت آثارها في شخصية المتعلم. ● فلنجعل العودة بداية جديدة مع بداية كل عام دراسي، لدينا فرصة لمراجعة ما مضى، وتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح، واستعادة ما غاب من المعاني التربوية. فلنجعل سؤالنا في هذا الموسم أعمق من: متى تبدأ الدراسة؟ ولنسأل: كيف نريد أن يبدأ الإنسان في داخل المدرسة؟ فالعام الدراسي ليس مجرد دورة زمنية تتكرر، والطالب ليس مجرد متعلم ينتقل من صف إلى صف، والمعلم ليس مجرد منفذ للمنهج، والمدرسة ليست مجرد مبنى وفصول. إنها جميعًا أجزاء من مشروع أكبر: مشروع بناء الإنسان. ولذلك، حين تُفتح أبواب المدارس، ينبغي أن تُفتح معها أبواب الأمل، والمسؤولية، والقيم، والمعرفة، والإنسانية. فالسؤال الحقيقي ليس: هل عاد أبناؤنا إلى المدارس؟ بل: هل عادت مدارسنا إلى رسالتها؟ بقلم: د. محمود محمد عبدي مدرب وباحث تربوي بالمركز الوطني للتكوين التربوي