تُعدُّ سنوات الثالثة عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة مرحلةً فاصلة في حياة الإنسان؛ فهي سنوات البلوغ، وبداية التكليف الشرعي، والانطلاق الحقيقي نحو المراهقة. وقد أكدنا في الأجزاء السابقة أن المراهقة ليست أزمة كما يتصورها كثير من الناس، وإنما هي مرحلة بناء ونمو، وأن البلوغ قوة ينبغي توجيهها واستثمارها، لا هوة يخشى منها. ومن أهم ما ينبغي أن يحرص الوالدان على غرسه في نفوس أبنائهم خلال هذه المرحلة ما يعرف بالرسائل الإيجابية، أو التحفيز والتشجيع والتعزيز الإيجابي، لما لها من أثر بالغ في بناء الشخصية وصناعة المستقبل. ويتحدث المختصون في الإعلام عن نظرية الغرس، ومفادها أن الرسالة إذا تكررت مرات عديدة وعلى مدى فترة زمنية، فإنها تستقر في عقل المتلقي، ثم تتحول إلى قناعة، ومن القناعة إلى سلوك. وإذا كانت هذه النظرية مؤثرة في المجال الإعلامي، فإن أثرها في التربية أشد وأعمق؛ لأن الوالدين هما المصدر الأول الذي تتشكل من خلاله صورة الابن عن نفسه. لقد أثبتت الدراسات التربوية والنفسية أن الكلمات التي يسمعها الأبناء باستمرار من آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم لا تمر مرورًا عابرًا، بل تبني تصورهم عن ذواتهم، وتحدد مستوى ثقتهم بأنفسهم، وتوجه طموحاتهم وسلوكهم. فعندما يقول الأب لابنه: أراك قائدًا في المستقبل، أنا واثق بك، أستطيع الاعتماد عليك، أرى فيك ذكاءً وفهمًا، أو تقول الأم لابنتها: أنتِ ذكية، وأنتِ حيية ومهذبة، وأراكِ حافظةً لكتاب الله، وأنتِ صاحبة خلق كريم، ثم تتكرر هذه العبارات بصورة دائمة، يبدأ الابن أو الابنة في تصديقها، ثم يسعى ليكون كما تصفه تلك الكلمات. وهكذا تبني الرسائل الإيجابية الثقة بالنفس، وتعزز الشعور بالقدرة، وتدفع الأبناء إلى النجاح والتميز. وفي المقابل، ما زالت بعض الأسر تكرر على مسامع أبنائها أوصافًا سلبية مثل: أنت كسول، أنت عنيد، لا يعتمد عليك، أنت غبية، أنت كثير المشاكل. ومع استمرار هذه العبارات، يقتنع الابن بهذه الصورة، ثم يبدأ في التصرف بما يوافقها، وكأن الكلمات تحولت إلى برنامج يوجه سلوكه. ولهذا فإن الكلمة في التربية ليست أمرًا عابرًا، بل هي أداة بناء أو معول هدم، والابن غالبًا يسعى لأن يكون كما تصفه أسرته. وقد حفظ لنا التاريخ نماذج تؤكد أثر الرسائل الإيجابية في صناعة العظماء. فمن ذلك ما يروى أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان يمشي صغيرًا مع أمه هند، فرآه رجل فقال: إني لأرى غلامًا إن عاش ليسودن قومه. فقالت أمه: قومه فقط؟ ثكلته إن لم يسد العرب. ومضت الأيام حتى أصبح معاوية من أعظم قادة المسلمين. ويروي المؤرخون كذلك أن والدة السلطان محمد الفاتح كانت تصنع لابنها نموذجًا لمدينة القسطنطينية، وكانت تناديه دائمًا: يا فاتح القسطنطينية. وذات يوم سقط من فرسه أثناء التدريب فأخذ يبكي، فقالت له: أتبكي وأنت فاتح القسطنطينية؟ قم وأكمل تدريبك. فكانت تلك الكلمات تغرس في نفسه هدفًا عظيمًا حتى حقق الله له فتح القسطنطينية، الذي طالما استعصى على كثير من القادة قبله. ويحكي أحد أساتذة الشريعة أنه عندما كان في الخامسة عشرة من عمره طلب منه معلمه أن يقرأ من سورة الأنبياء، فقال: لا أحفظها. فقال له المعلم: ما كنت أظن أن مثلك لا يحفظ القرآن كاملاً. يقول: كانت تلك الكلمة نقطة التحول في حياتي، فبدأت حفظ القرآن حتى أتممته خلال عام واحد. ويذكر آخر أن والده كان يردد عليه منذ صغره: أريدك طبيبًا عالمًا. فكان لذلك الأثر الكبير في مسيرته؛ فدرس الطب، وحفظ القرآن الكريم، ثم واصل طلب العلم الشرعي. إنها كلمات قليلة، لكنها صنعت مستقبلًا مختلفًا. وأعظم من ربّى الناس بالرسائل الإيجابية هو نبينا محمد ﷺ؛ فقد كان يكتشف مواطن التميز في أصحابه، ويثني عليهم بما فيهم، فيغرس في نفوسهم الثقة، ويحفزهم إلى مزيد من العطاء. وقد عقد الإمام الترمذي في جامعه بابًا بعنوان «أبواب المناقب عن رسول الله ﷺ»، جمع فيه الأحاديث التي أثنى فيها النبي ﷺ على أصحابه. فقال ﷺ: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.» وقال ﷺ في عمر رضي الله عنه: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه.» وقال لعلي رضي الله عنه: «أنت أخي في الدنيا والآخرة.» وقال لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «أشبهت خلقي وخُلقي.» لقد كانت هذه الكلمات النبوية تربية عملية، صنعت رجالًا حملوا رسالة الإسلام إلى العالم. ومن جميل ما عُرف عن المسلمين قديمًا اهتمامهم بالأسماء والكنى والألقاب ذات المعاني الحسنة، فكان الاسم والكنية واللقب يحمل كل منها رسالة إيجابية ترافق صاحبها طوال حياته؛ فقد يسمى الرجل عبد الرحمن، وتكون كنيته أبو المجد، ولقبه شمس الدين، فتظل هذه المعاني تبعث في نفسه العزة والهمة والاعتزاز بالخير. وفي ختام هذا المقال، أوجه إلى الآباء والأمهات أربع وصايا تربوية: أكثروا من الرسائل الإيجابية، واحذروا الكلمات الجارحة؛ فالكلمة قد تبني إنسانًا، وقد تهدمه. اشكروا أبناءكم على كل عمل صالح، وأثنوا على كل جهد يبذلونه، ولا بأس أن يكون الثناء أمام الآخرين عندما يكون ذلك أدعى للتشجيع. امتدحوا كل تغير إيجابي يظهر في سلوك أبنائكم، مهما بدا صغيرًا، فالبدايات الصغيرة تصنع الإنجازات الكبيرة. نوّعوا وسائل التشجيع؛ فمرة تكون بكلمة طيبة، ومرة بابتسامة، ومرة بضمّة حانية، ومرة بالتربيت على الكتف، ومرة بإظهار الفخر بهم أمام الناس. إن الرسائل الإيجابية ليست مجرد كلمات جميلة، بل هي منهج تربوي يصنع الثقة، ويوقظ الطاقات، ويبني الشخصية. وإذا كانت نافعة في جميع المراحل العمرية، فإن أثرها في مرحلة المراهقة أعمق وأبقى، لأنها المرحلة التي تتشكل فيها الهوية، وتتحدد فيها معالم المستقبل. نسأل الله تعالى أن يوفق الآباء والأمهات لحسن تربية أبنائهم، وأن يجعل أبناءنا وبناتنا قرة أعين لنا في الدنيا، وذخرًا لنا في الآخرة. بقلم: عبد الرزاق حسن طبر